• ×

قائمة

صابر حجازي يحاور القاص والناقد المغربي بوعزة الفرحان

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
صابر حجازي
في إطار سلسلة اللقاءات التي أقوم بها بقصد اتاحة الفرصة امام المهتمين بالشان الثقافي والابداعي والكتابة الادبية بشكل عام والذين قد يعانون من ضائلة المعلومات الشخصية عن اصحاب الابداعات الثقافيةعبر انحاء الوطن العربي الكبير،لذلك فان اللقاءات بهم والحوار معهم يتيح للجميع التعرف عليهم من قرب والتواصل معهم مستقبلا
ويأتي هذا اللقاء رقم ( 146 ) ضمن نفس المسار
وفي ما يلي نص الحوار

س \ كيف تقدم نفسك للقراء؟
ــ قاص من المغرب، مدينة مكناس

س \ أنتاجك الأدبي : نبذة عنه ؟
ـ حاصل على الإجازة في الأدب العربي / جامعة محمد بن عبد الله .مدينة فاس
ـ حاصل على دبلوم التخرج من المدرسة العليا مدينة مكناس
ـ صدر له سنة 2006 عمل قصصي بعنوان: الأرقام الضائعة/ مطبعة أنفو برانت /مدينة فاس.
ـ صدر له سنة 2012 عمل قصصي بعنوان: عندما تتعرى الأيام من أوراقها/ مطبعة الأزهر /مدينة مكناس .
ـ صدر له سنة 2014 عمل قصصي بعنوان: أنفاس تحترق تحت القمر/مطبعة الأزهر/ مدينة مكناس.
ـ صدر له سنة 2016 عمل قصصي بعنوان: الرقص من تحت الجنون/مطبعة بلال / مدينة فاس .
ـ صدر له سنة 2016 بحث تحت عنوان: العرس المغربي البدوي بين الرمزية والواقع./ طقوس وعادات/ مطبعة بلال / مدينة فاس .
ـ صدر له سنة 2018 عمل قصصي تحت عنوان : الظلال الخفية / مطبعة بلال / مدينة فاس .
ـ صدر له عمل مسرحي سنة 2018 تحت عنوان : مسرحيات: الوطن والذئاب/ اللعبة التاريخية/ حصار الزمن / مطبعة بلال / مدينة فاس .
ـــ صدر له سنة 2019 عمل قصصي تحت عنوان : لمن تلك الهواجس؟ مطبعة بلال / مدينة فاس.
ـــ صدر له إصدار إلكتروني يتحدث عن فن القصة من إعداد المبدع : عباس العكري من دولة البحرين منشور في المنتديات الأدبية.
ـــــ رواية جاهزة تنتظر الطبع
ـــــ مشروع قراءات نقدية في القصة القصيرة جدا/
ـ فائز بجائزة الدكتور نبيل طعمة في القصة القصيرة سنة 2008 سوريا.
ـ نشر عدة قصص في مجلات عربية وجرائد وطنية وعربية : مجلة البيان ـ مجلة الراوي ـ مجلة الوعي الإسلامي ـ مجلة المشكاة ــ مجلة مواسم ... جريدة الأحداث المغربية ،جريدة الصباح. جريدة 14 أكتوبر اليمن / جريدة النهار الكويت / جريدة الأخبار المغربية.
ـ نشر مقالات تربوية وأدبية في جرائد مغربية ..
ـ حضور فاعل في منتديات أدبية متعددة.
له قراءات نقدية:
-قراءة نقدية في ديوان شعري بقايا أحلام للشاعر المغربي عمر الصديقي
-قراءة ل "مدائن ليلات " / للروائي المغربي حسن إمامي.
- قراءة نقدية لرواية " نافذة مشرعة على القلب " للكاتب السوري محمد الفاضل
ــ تقديم لمسرحيات الكاتب العراقي /بهجت الرشيد
ــ قراءة نقدية في المجموعة القصصية للكاتب المغربي أحمد القاطي /الاتجاه المعاكس./
نال من القراءات النقدية
-قراءة نقدية في أضمومة /عندما تتعرى الأيام من أوراقها / الدكتور عبد الرحيم التدلاوي
ــ قراءة نقدية في المجموعة القصصية / عندما تتعرى الأيام من أوراقها./ للشاعر والقاص عبد الله فرجي تحت عنوان : الخطاب السردي : عناصره المؤسسة و مكوناته،
-الأرقام الضائعة دراسة سميائية ، الناقد المغربي محمد يوب /
ــ قراءة نقدية في المجموعة القصصية /أنفاس تحترق تحت القمر/ القاص والروائي حسن إمامي
ــ 'قراءات في السرد' للناقد محمد داني، المنظور البلاغي في خطاب القصة القصيرة جدا، بتاريخ / ‏19 فبراير 2014
ــ قراءة نقدية للمجموعة القصصية "الظلال الخفية " الناقد والشاعر ادريس زايدي
قراءة في المجموعة القصصية "الأرقام الضائعة ” للناقد حميد ركاطة”
ـ قراءة للناقد العربي الرودالي / في الأعمال السردية المحدثة/ للكتاب: بوعزة الفرحان /أحمد السقال/محمد فري.
قراءة للكاتب رشيد أمديون في قصص "الأرقام الضائعة" تحت عنوان "اختلال التوازن وقلق الوجود"
نشره في 11/21/2018
بوعـــزة الفرحان واللغة في القصة القصيرة جدا،الناقد محمد داني/13/02/2020
قراءة نقدية للدكتور عبد الرحيم التدلاوي/ للمجموعة القصصية /الظلال الخفية./

س \ تمارس كتابة القصة والرواية والمسرحية ، وكتابة أي جنس أدبي استلهاما وعقيدة، همة وتجربة، في أي جنس أدبي تجد نفسك أكثر؟
ــ أجد نفسي في كتابة القصة القصيرة، كفن أدبي له أصوله وقواعده وعناصره الفنية، فقد توافر الإنتاج وتكاثر.. وأبدع فيه الكتاب إبداعات جميلة وجيدة.. كل حسب موهبته وبراعته، ونظرته للعالم الذي يعيش فيه.. لكن طرأ تغيير في التقنية القصصية، فتجدد الأسلوب، وتعددت طرق الأداء، وبدت وكأن التقنية القصصية التقليدية متجاوزة، حتى أن بعض المبدعين ظنوا أن "الأقانيم الثلاثة للقصة القصيرة / البداية / العقدة / النهاية /" قد تحطمت.. لأسباب عديدة منها: تغيرات وتحولات البنية الاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي طرأت على الواقع والمحيط ..
فهناك من يرى أن القصة القصيرة قد تتراجع وتتضاءل مستقبلا، وربما تفقد مكانتها الأدبية والفنية في ظل بروز ما يسمى / القصة القصيرة جدا/ بعدما برز كتاب جدد يهربون من الالتزام بضوابط القصة القصيرة، فلجأوا إلى التكثيف الشديد مما أخل بتركيبة القصة القصيرة عبر اختزال مفرط، وتلغيز غامض، وتثغـير معقد يغيب الإمتاع القصصي، بدعوى أن القصة القصيرة جدا هي النمط الأدبي القادر على تجزيء الواقع وتقطيعه إلى مشاهد تتماشى مع المعيش اليومي ..
أقول، ستبقى القصة القصيرة تحتل مكانتها الأدبية، فالقصة القصيرة جدا تولدت من رحمها، ولا تختلف عن الأقصوصة، وإنما اختلفت في المسميات الجديدة التي أعطيت لها.. فرغم أن النقاد تحدثوا عن الطول والقصر بالنسبة للقصة القصيرة، فإنه يبقى مشكلا بارزا يمكن إعادة النظر فيه، خاصة في العصر الحالي: "عصر السرعة".
لا يمكن أن نجزم في أفضلية كاتب عن كاتب، فلكل كاتب مميزاته، أما مصطلح الجودة فهو لا يعطينا تقييما سليما.. فمن خلال هذا التوضيح، لا يمكن أن نحكم حكما قاطعا، بأن القصة القصيرة هي في تراجع. فرغم موجة الجنس الأدبي الجديد المزاحم لها"القصة القصيرة جدا"، والذي تهافت عليه الكتاب الجدد، والبعض منه جاد وجيد، والبعض منه لا يرقى إلى المستوى المطلوب، فإن قواسم عديدة مشتركة بين القصة القصيرة، والقصة القصيرة جدا..فالقصة القصيرة جدا هي نوع من التعبير الأدبي، يجب أن نقبل به على أساس ضوابط محددة. لقد كتبت مجموعة من القصص القصيرة جدا كتجريب، الأولى تحت عنوان: الرقص من تحت الجنون، والثانية /"لمن تلك الهواجس".
كتبت عدة مسرحيات، تم تشخيصها في دور الشباب، وفي المؤسسات التربوية، ومنها ما بقي حبرا على الورق، في نظري، قد يكتب الكاتب عدة ومضات قصصية في وقت وجيز، ولكن يصعب عليه إنتاج مسرحية في كل يوم. وإن لم تعرض المسرحية على الخشبة، فإنها تفقد هدفها.أما بالنسبة للرواية، فمنذ ثلاث أشهر وأنا أعمل على الرواية الأولى، والتي سوف تكون جاهزة قريبا إن شاء الله.

س \ هل لك أسلوب معين (طقوس ) تتبعها في كتاباتك؟
ليست لدي طقوس معينة للكتابة، ولكل كاتب ومبدع طقسه الخاص للكتابة، وهناك من المبدعين يقلدون طقوس الكتاب الآخرين، بدعوى أن طقوسهم هي التي جعلت إلهامهم الإبداعي يرقى إلى الجودة. ولا أعتمد على اتباع وتيرة منتظمة وثابتة. وكثيرا ما أعتمد على "نوبات" الكتابة لحظة ظهورها في الذهن، فأسارع لاعتقالها بالتدوين والتسجيل قبل أن تتقافز أمامي وتهرب. أنام والقلم والورقة قرب وسادتي. وفي بعض الأحيان أقوم لتسجيل الفكرة ولو في الظلام. وفي الغد أعمل على تطويرها، أو تعديلها، أو التخلي عنها..لا أستطيع أن أحدد منبع أفكاري، وغالبا ما أنتزعها تارة من الواقع، وتارة من المتخيل. وكم من تجربة تكون نائمة في الذاكرة، لكنها تستيقظ بغتة في ذهني، أو حادث بسيط وقع أمامي، في الشارع، في المقهى. في الحديقة العمومية، وغيرها من الأماكن المفتوحة والمغلقة. فكم من جدال بسيط بين شخصين حوله المبدع إلى رواية ناجحة. فليس المهم في اختيار المواضيع الهامة ليحتل الكاتب شهرة كبيرة في الساحة الأدبية. قد أعصر ذهني ولا فكرة، أتأمل وأطلق خيالي، أنتظر، أترقب، أطلق العنان لفكري وذهني، وقد أفشل في مطاردة أي فكرة، أو أي موضوع، فتبقى الأفكار هاربة لمدة معينة، والورقة البيضاء تنتظر أن يجود الإلهام بالغيث الممطر.
أمارس الكتابة في كل الأوقات، ولا أتخير الزمن والمكان. لكن كلما غيرت المكان المألوف بمكان آخر، فإن أنفاس الكتابة تتجدد، خاصة في مقهى لا يعرفني فيه أحد. فالتداعي والاسترجاع واستدعاء الثقافة والمعرفة الشخصية، هي دعامات لا يستهان بها في الخلق والابتكار. يقول الكاتب روبرت جوردن: "الكاتب الذي ينتظر الإلهام أو المزاج المناسب للكتابة سوف يموت جوعًا، لأنه لن يكتب كثيرًا"

س \ ما اللغة التي تفضلها، لغة السرد البسيطة دون تعقيدات، أم اللغة الأدبية المكثفة - ولماذا؟
يمكن أن نطرح السؤال التالي: كيف تكون حياة الإنسان بلا لغة؟ فاللغة هي الوسيلة الوحيدة التي يوظفها الإنسان في كل مجال من مجلات الحياة، وهي أداة تعبيرية تدخل ضمن مجال الأدب، كأداة يختلف توظيفها فنيا وإبداعيا باختلاف الأنواع الأدبية، كالرواية والقصة والشعر والمسرح والمقالات النقدية وغيرها. وتعتبر اللغة أهم وسائل التفاهم والتواصل والاحتكاك بين أفراد المجتمع في جميع ميادين الحياة، وبدون اللغة يتوقف النشاط المعرفي والثقافي الذي يرتبط ارتباطا وثيقا بالتفكير، فكل إنسان لديه أفكار، ولا يمكن أن نطلع عليها إلا عن طريق اللغة....
وفي مجال السرد، فكلما كان الأسلوب اللغوي بسيطا وسهلا، كل ما كان عمل المبدع قريبا من القارئ، وكلما كان الأسلوب اللغوي معقدا وغريبا، وغير متداول في الكتابات المختلفة، كلما ابتعد الكاتب عن القارئ، يصبح عمله الإبداعي دون قيمة. ومن الغريب أن بعض الكتاب الجدد يتصيدون الكلمات الغريبة في قصصهم القصيرة جدا، مما يضطر القارئ إلى استعمال القاموس، متوهما أنه يرفع من جودة قصته باقتناص الكلمات الغريبة، وغير المتداولة في العصر. فالكاتب لا يكتب لنفسه، فهو يكتب للمتلقي، فعليه أن يمرر أفكاره للقارئ بلغة سهلة، ليحفزه على الفهم، ودفعه لمساءلة المبدع، والدخول معه في جدلية الحوار والمناقشة.
وكلما أفلح الكاتب في اختيار اللغة المناسبة لشخصياته في عمل روائي أو قصصي، كلما كان العمل ناجحا. فاللغة المستخدمة في البوادي ليست هي اللغة المستخدمة في المدينة، فإن اللغة تختلف في كيفية توظيفها بين شخصية وأخرى حتى في العمل الروائي الواحد.
فماذا نعني باللغة المكثفة؟ أو ما يسمى بالتكثيف، إنه الاختزال، وقول الكثير من المعاني والدلالات بأقل عدد من الكلمات، أي انتقاء لغة حمالة لمعاني كثيرة. وقد برز مصطلح التكثيف بقوة لما ظهرت القصة القصيرة جدا في الساحة الأدبية المعاصرة، فأصبح ركنا من أركانها، تجنبا للإطالة وإبعاد الملل عن القارئ. بخلاف الرواية التي تحتمل التوسع في مد اللغة السردية، لأنها تتضمن الكثير من الشخصيات، وقد تتعدد فيها الشخصيات الثانوية. فكلما تعددت القضايا في الرواية، كلما تنوعت طرق معالجتها، وازدادت تعقيدا وتشابكا داخل أزمنة متباعدة وأماكن متفرقة.

س \ على ماذا يتوقف نجاح الكاتب، على فلسفته ونظرته إلى الحياة، أم على أسلوبه وأدواته التي تخصه ، أم على موهبته؟
كل مبدع لا يعيش منعزلا عن بيئته ومحيطه، فهو يعيش بين الناس، ولكن لم يحدث أن أصبح جميع الناس كتاب قصة، مع أن كل إنسان يستطيع أن يحكي لك قصة شاهدها أو عايشها في الطريق في المنزل، في الشارع والمقهى. "فالاستعداد القصصي خاصية إنسانية يشترك فيها جميع الناس،" كما يقول الدكتور عز الدين إسماعيل، لكن كاتب القصة يختلف عن كل إنسان بما يلي :
ـــــ ينظر إلى الأشياء الواقعة نظرة خاصة، فهو لا يقف عند سطح الأفكار والحوادث، بل يتعمق فيها ويخلع عليها من حسه وشعوره وأفكاره، وموقفه ..
ـــــ يشكلها ويخضعها إلى رؤى عديدة، جاعلا منها تكوينا خاصا وفلسفة أخرى. فما من مبدع إلا ويستقي مادته الإبداعية من الواقع الاجتماعي الذي يعيشه، وهذا يعود كذلك إلى تأثير العوامل الذاتية والاجتماعية معا. إن الإبداع يعود بالدرجة الأولى إلى حيوية المبدع، وما يتمتع به من خصائص نفسية وعقلية من ذكاء، وتخيل، وذاكرة، وتوفر الميول الكافية من رغبات وآمال..
ــــ كل مبدع يخزن ويراكم ما أثار اهتمامه في فكره ونفسه، فعندما يريد أن يبدع يلجأ إلى مخزونه الفكري فيغربله، ويختار ما يكون له أهمية. فالكثير من المبدعين يظنون أن قيمة الحوادث الكبرى هي الصالحة أكثر للقصة، ولكن القيمة تأتي من قدرة الكاتب على التعمق في الحادث، وجعله حيا بالحركة والتطور، حركة توصل القارئ إلى الإدهاش والتعجب، مع إضفاء الكاتب رؤيته الخاصة، وتصوره المتفرد من جوانب متعددة .. سواء كانت الحادثة كبيرة أم صغيرة ..

س \ أين تكمن روعة القصة أو الرواية الناجحة؟
ليس من السهل كتابة الرواية في وقت وجيز، بل تحتاج إلى الاطلاع على تقنيات تساعد على كتابة رواية شيقة تشد القارئ. فعلى الكاتب أن يقرأ كثيرا، ويكون مطلعا على تجارب الكتاب الذين سبقوه، ومتسلحا بالمعرفة ومختلف الثقافات، وأن يبحث عن الموضوع الذي يستقر في نفسه، له دراية كبيرة به، ليستطيع أن يستخرج منه أحداثا تتضمن صراعا مشوقا، أحداث يمكن أن تكبر وتتسع وتتطور على يد شخصيات متخيلة، قادرة على القيام بتشخيص الأحداث كأنها تجري في الواقع، وفق رؤى متعددة. وقبل الإقدام على كتابة الرواية، لا بد للكاتب أن يضع خطاطة سردية تنطلق من بداية مشوقة. وهناك طرق عديدة لبدايات الرواية، كل كاتب يختار البداية التي يراها مناسبة للحدث، فهناك من يفضل تقديم الشخصية، قبل أن يفصح عن الحدث التي سوف تقوم به شخصية ما. وإما أن يطلع القارئ على الفضاء الذي سوف تجري فيه الأحداث، وإما أن يدخل مباشرة في الحدث.... ومن أسباب نجاح السرد الروائي، تنوع الأفكار والأحداث الممتدة داخل تنوع الأمكنة التي تبعد الملل عن القارئ، بالإضافة إلى التنقل بين الأزمنة خلال السرد الروائي لإضفاء نوع من التشويق والتجديد، إما بالعمل على تسلسل أزمنة وقوع الحدث، وإما تأجيلها حتى يتم استدعاؤها عن طريق التداعي والاسترجاع.
فالقضايا الإنسانية مشتركة بين الناس تقريبا، وقد تتشابه بين الناس. فعلى الكاتب أن يختار الموضوع الذي يشترك فيه جميع الناس، مع اختيار شخصيات مناسبة لكل حدث، فيجعلها تكشف عن نفسها، وتحدد نمط عيشها وسلوكها من خلال تفاعلها مع الدور الذي أسنده الكاتب إليها. فالكاتب يراقب ويشاهد، وهو دائما قريب من شخصياته يوجهها، ويستمع إليها. فهو يعلم ما تكنه من أسرار خفية...
فعلى الكاتب أن يتعامل مع شخصياته كشخصيات حقيقية، يتحدث معها، ويكلفها بعمل، معتمدا على الحفر في الذاكرة، واستحضار حوادث مر بها، أو عايشها أو سمعها، أو قرأ عنها، فيجب عليه ألا ينقلها كما هي، بل يجب أن يصورها بعدسته الخاصة، ورؤيته للحياة، محددا موقفه منها. ولن يتأتى له ذلك التصوير إلا عن طريق انتقاء لغته، وصقل أسلوبه، مع الابتعاد عن الأساليب المألوفة. كما ينصح ألا يتقيد بهيكل رواية ما أعجبته، ولهذا عليه أن يبتكر خطة سردية تلبي ذائقة القارئ، وتجعله ملتصقا بالرواية بعد الانتهاء من قراءتها.
والملاحظ أن الكاتب قد يغيب شخصيات في روايته، فيظن القارئ أنها فشلت في أداء دورها، فيتساءل القارئ عن مصيرها، وهي حيلة يلتجئ إليها الكاتب، ليدفع القارئ إلى بناء تأويلات وتوقعات تساهم في إغناء وإثراء موضوع الرواية. فطريقة تغييب شخصية ما في الرواية، نجدها كثيرا في المسلسلات التلفزيونية. فكم من رواية بقيت مغمورة لسنين، فاستيقظت على يد ناقد أو كاتب، وأصبحت مشهورة بين القراء، وتهافتت عليها دور الطبع والنشر، فحققت مبيعات كبيرة، وقد تترجم إلى لغات عديدة. وهناك عوامل أخرى تساهم في نجاح كتابة الرواية قد تبدو بسيطة، لكنها مهمة، منها: الصبر/ العزيمة/ بذل الجهد/ صفاء الذهن/ التفرغ/ تحديد موعد الكتابة/ الجهد/ الصحة/ إبعاد الإحساس بالفشل/ عدم الخوف من بياض الورقة/ النوم الكافي/الاستراحة/ ....
ويجب على كاتب الرواية أن لا يغفل تقنية التصوير في عمله. فالرواية أرحب له من القصة، وهي تتسع لعدة شخصيات، وأحداث متنوعة تتناسل وتتولد وتتشابك، مما يستوجب استدعاء صور متنوعة ومختلفة في الزمان والمكان.. بينما نجد التصوير في القصة سريعا، يأتي على شكل التماعات دقيقة وخاطفة.
فالرواية تشتهر أكثر، إن تحوّلت إلى فيلم سينمائي نظرا لإقبال الناس على المشاهدة أكثر من القراءة، فلكل فنّ مميزاته، ولا أعتقد أن تفقد الرواية كثيرا من خصائصها الفنية إن تحولت إلى فيلم، فبعض روايات نجيب محفوظ تحولت إلى أفلام، فإن كان المخرج أضاف أو نقص أو قلص في المشاهد، أو خرق ترتيب الأحداث والمشاهد فلا تتأثر الفكرة الأصلية..إنه تغيير ضروري من أجل تكييف المشاهد، وبناء سيناريو قابل للتصوير مع المحافظة على الفكرة الأصلية طبعا.
فمشاهدة الرواية وهي محولة إلى فيلم، قد تستقطب عددا من المشاهدين أكثر من القراء.. فنجد فيلم / أبي فوق الشجرة /..حقق أكبر مشاهدة في ذلك الوقت ، وأكثر المشاهدين لم يقرأوا الرواية، و قليل من الناس من يقرأ الروايات بانتظام نظرا لطولها، وضيق الزمن ، وانشغال الإنسان .. وقليل من يجلس الساعات الطوال من أجل قراءة رواية ، فثقافة القراءة شبه منعدمة عندنا في العصر الحاضر، فالناس يفضلون أن يقرأوا عددا من القصص القصيرة في وقت وجيز، لأنها متنوعة المضمون وسريعة القصد والهدف ..
أما بالنسبة للقصة القصيرة، فهناك جملة من الأدوات الفنية، والعناصر الجمالية التي تدخل في تكوين النص الأدبي وبنائه ، بالإضافة إلى طرائق وأساليب تعبيرية من أجل تفتيق النشاط الإبداعي، وما يملك المبدع من رصيد لغوي، يساعده على التعبير عن أحاسيسه ومواقفه تجاه حدث معين في شكل أدبي فني، فعلى المبدع أن يحدد ما يعينه من العناصر التي قد تمثل الحقيقة بالنسبة للمظهر الخارجي للبطل، للفضاء، للتحركات .. دقة الملاحظة ، التصرفات / الانفعال / الغضب / الحواس. / ...والوصف البناء/...
والوصف له ثلاث اختيارات ، إما نبدأ بالأشياء القريبة، ثم نبتعد شيئا فشيئا نحو الجزئيات،أو نبدأ بالأشياء البعيدة .. وإما أن ننطلق من الأشياء التي تترك فينا أثرا أكثر، وإما أن ننطلق من الوصف الشامل والكلي، ثم ننتقل إلى وصف الجزئيات.. مثلا ،عندما ننظر إلى الشجرة، فإننا ننظر إليها في كليتها وشموليتها، ثم نبدأ بالنظر إلى الجزئيات: الفروع/ الأغصان / الجذر / الأوراق / .../
وأخيرا يجب على المبدع أن يحدد موقفه الفكري والنفسي الذي سيعبر عنه من خلال ما يخبر به في قصته. مع اختيار الألفاظ اللازمة ، والتعابير المناسبة، مع اعتماد الإيجاز، وكلما كان الإيجاز يعتمد على التلميح والإشارة كلما تشوق القارئ للقراءة.
فلا بد أن تتوفر لدى كل مبدع مكونات لتمكينه من إبداع جيد: نقل المعطيات الحسية من واقعها إلى مجال اللغة من ألفاظ وتراكيب، والابتعاد عن اللغة المألوفة، و التركيز على الإحساس والوجدان والشعور، واختيار الموضوع كحدث لا ينفصل عن الشخصية التي تكون قادرة على تجسيد الدور كأنه حقيقي ،مع أنه قد يكون خياليا.
بالإضافة إلى الإدهاش ، واختيار النهاية الصادمة. فلكل مبدع له طريقته الخاصة ، ومهارته وتجربته في إقناع المتلقي لإزالة استغرابه بالتعليل وتوضيح الغامض، وجعل القارئ يتخيل أحداثا مشابهة لحدث القصة.
وأعتقد أن التصوير في القصة ضروري وله أهمية كبيرة، لأنه يقرب المشهد من القارئ، بل يساعد على إشراك القارئ في تخيل الحدث عن قرب عن طريق الفكر والعين والإحساس والشعور ، التصوير هو دعامة مهمة للقصة، بجانب الدعامات الأخرى التي إذا انهدمت دعامة واحدة منها، انهدمت بنية القصة بكاملها.

س \ كيف تجد القصة والرواية المغربية ، هل من تطورات طرأت عليها؟
كل أدب إلا ويرتبط بطريق غير مباشر بالأوضاع الاقتصادية المادية والسياسية والاجتماعية، كما يرتبط كذلك بما جد في الحياة الثقافية والفكرية والعلمية.. وقد مر الأدب بمراحل تاريخية عديدة ..
فعلا ، فقد تخلصت القصة القصيرة المغربية في العصر الحاضر من مرحلة التقليد والتبعية لمذاهب أدبية غربية، فأرست لنفسها قواعد وأصول تميزها ،عن طريق التجريب والتجديد، فبرزت أقلام جديدة واعدة تحمل المشعل، أقلام اهتمت بقضايا متنوعة تمس هيكلة وبنية المجتمعات الوطنية والعربية، منها ما هو وطني، واجتماعي وإنساني، دون إغفال ما هو سياسي وتراثي ..
لا يمكن الوقوف بدقة على الملامح العامة للقصة المغربية، ولهذا سوف أقف على ملامح مشتركة بين المبدعين المغاربة في مجال القصة القصيرة منها : الاهتمام بالذات وتشغيل الذاكرة/ الاهتمام بقضايا المجتمع المختلفة /هدم الحواجز القائمة بين الأجناس الأدبية الأخرى كالشعر والنثر والمسرح../ عدم اقتصار خاصية القص على مبدعين معروفين في الساحة الأدبية، بل برز جيل جديد ينتمي إلى الشرائح الاجتماعية المتنوعة/ التعبير عن هموم الإنسان المعاصر، تماشيا مع ضغوط ومتغيرات العصر ، على المستوى المادي والفكري والاجتماعي،/ تصوير الواقع المغربي وعلاقته بما هو إنساني واجتماعي ونفسي/ الاهتمام بالقارئ وجعله تارة أمام الواقع المباشر، وتارة أخرى من وراء الواقع،/.....
فيما قبل، كانت الأسماء الكبيرة تهيمن على الساحة الثقافية ، لأنهم أسسوا مكانتهم الأدبية،واشتهروا في الخارج والداخل، وما يكتبونه هو دائما هو الإبداع الجيد ولو لم يكن جيدا لأنه ثبتوا أسماءهم في الساحة الثقافية. فالملاحق الثقافية تستأثر بالكتاب المشهورين، ودور النشر تتسابق عليهم، أما المواهب الجديدة فإنهم يجدون صعوبة في التعريف بإبداعاتهم.. فكانت المنتديات الثقافية بديلا عن النشر الورقي الذي يتطلب المادة.. فكثيرا من الكتاب ينشرون إصداراتهم من مالهم الخاص.
فما هو الحل للاعتراف بإبداعات الجيل الجديد؟
الحل في نظري هو الدعوة لنشر ثقافة الاعتراف، والتأكيد على النقاد أن يغيروا نظرتهم الدونية للأدباء الشباب.. فما على المواهب الجديدة إلا أن تبدع الجيد، وسوف يأتي زمن الاعتراف بهم.
أما فيما يخص الرواية المغربية، يقول الناقد عبد العالي بوطيب "ومهما يكن من أمر، فالمؤكد أن ظهور الرواية العربية بالمغرب عرف تأخرا ملحوظا مقارنة بتاريخ ظهورها في الشرق والغرب" فمن الروايات المغربية، نجد (الزاوية) للتهامي الوزاني الصادرة(1942).ورواية (في الطفولة) لعبد المجيد بنجلون، الصادرة (1957) ورواية (سبعة أبواب) لعبد الكريم غلاب،الصادرة سنة (1965).ورواية(دفنا الماضي) لعبد الكريم غلاب، الصادرة سنة (1966). ورواية (جيل الظمأ) لمحمد عزيز الحبابي،الصادرة سنة (1967)
روايات يطغى عليها الجانب الفكر على الفني، وبقى العمل في معظم هذه الروايات غائبا، فأعمالهم الفنية ما هي إلا اجتهادات شخصية، بالإضافة إلى حضور ما هو سياسي في الرواية، كنوع من التوثيق لمرحلة انتقالية من الاحتلال إلى الاستقلال، ولم يفت الروائيين المغاربة أن يدرجوا بعض القضايا القومية، كقضية فلسطين، والصراع الحضاري بين الشرق والغرب، والدفاع عن الهوية العربية.
فقد ظهرت تجارب روائية جديدة،لا تبتعد عن الواقع الاجتماعي المغربي، مع الإشارة إلى قضايا اجتماعية وسياسية وحضارية وتاريخية. كتابات روائية تجسد الخصوصية المحلية شكلا ومضمونا. مع محاولة لمنافسة السبق المشرقي والغربي.

س \ هل الكتابة الأدبية والانفتاح على العالم من خلال الشبكة العنكبوتيه صنع تواصل بين المبدع والقراء؟
الكتابة الأدبية سابقة لوجود الشبكة العنكبوتية، وأهم ما يميز الشابكة هو إتاحة الفرصة لعدد من المبدعين والمبدعات لممارسة الكتابة، والتعبير عن تجربتهم الإبداعية..وجعلها أمام أعين القراء للاستفادة من آرائهم وانتقاداتهم..فتكاثر الإنتاج الأدبي، من قصة ورواية، وشعر، فتراكم الإبداع خلق مشكلا للنقاد، فلم يعد النقد يساير حركة الإبداع السريعة، فاختلط الإبداع الجيد بالإبداع المترهل، فصعب على النقاد غربلة الإبداع من ناحية، والمبدعين من ناحية أخرى. علما أن كلمة "رداءة" تسيء للإبداع ككل، فأنا لا أعتقد أن هناك إبداعا جيدا، وإبداعا رديئا، والدليل أن هناك كتابات إبداعية بقيت مغمورة لمدة من الزمن، على اعتبار أنها لم تكن ناجحة، ولكنها استرجعت مكانتها الأدبية في العصر الحالي.
لقد تغافل النقاد عن حركة التوسع الأدبي في كل المجالات والأجناس الأدبية المتعارف عليها، ولم يستطيعوا تقييم التراكم اليومي للإنتاج الإبداعي الجديد. فماذا حصل؟ كثر إقبال الكتاب على الشبكة العنكبوتية، وكل كاتب يضفي على نفسه صفة أديب، وينتظر ناقدا ما يعمل على إشهار عمله الإبداعي، إما بالتقرب أو المداراة، وإما بلقاء عابر، وإما بإرسال نسخة من إبداعه إليه. فأصبح نقد الأعمال الأدبية يدخل فيها الصداقة والمجاملة. وهذا ما جعل الكتاب الجدد يتعاونون على تبادل نقد أعمالهم بالتناوب،"اكتب عني، أكتب عنك". أما النقاد المتخصصون في النقد، فهم يهتمون ببعضهم البعض، القلة القليلة من الكتاب الجدد نالت حظها من نقد أعمالهم من طرف نقاد مشهورين.
فعلا لقد نجح التواصل بين المبدع والقارئ في ظل الرفع من قيمة القارئ كطرف لا يمكن الاستغناء عنه، فلا يمكن تهميشه كما كان في السابق.
فالشبكة العنكبوتية أصبحت ملاذا لتفجير طاقات وقدرات إبداعية جديدة، في محاولة منهم لإثبات ذواتهم، رغم ما يحسون به من تهميش وإقصاء من الكاتب الكبار.. كما ساهمت الشبكة في تنمية القدرات الفكرية عبر فضاءات الانترنيت الواسعة .. فأصبحت أصوات المبدعين والمبدعات تصل بسهولة دون انتظار النشر في الكتب الورقية ...
يقول أحد الباحثين ، نستطيع القول : "إن الشبكة العنكبوتية، هي بمثابة الوعاء الحاضن للمثقفين والأدباء، وهي الفرصة السانحة لتداول أهم الأفكار والمعارف، وهي التي توفر للجيل الجديد من المثقفين والأدباء فرصة التعبير عن إنتاجهم الثقافي والأدبي."
يبقى السؤال الأتي: ألا يمكن تأسيس ملتقى سنوي للمثقفين العرب لتقريب شعوب الأقطار العربية فيما بينها، وتقوية أواصر المحبة والأخوة بين أبناء شعوبها، مع الاطلاع على المستجدات الفكرية والمعرفية والأدبية، وتداول الرأي والخبرة والتواصل للتعريف بالوطن وأبنائه، والجمع بين المثقفين والأدباء العرب لتداول شؤون الثقافة والأدب؟
https://www.facebook.com/ferhanebouaza/

س \ من أين تأتي بمواضيع وشخصيات وأبطال أعمالك الأدبية، من البيئة المحيطة بك أم من الخيال؟
هناك علاقة تبادلية في التأثير والتأثر بين الأديب ومجتمعه في الإنتاج الأدبي.. فالمثالية والكلاسيكية الأدبية لم تستطع أن تصمد في وجه التغيرات التي اجتاحت أوضاع المجتمع، وهو ادعاء لا يستند على دلائل مقنعة.لا ننكر أن طابع الحياة قد تغير، وتعددت مظاهره، فلم يعد ذلك الأديب الذي يبحث عن عالم مثالي الذي يجرد الحياة من عيوبها، ويعمل على عرض أحسن الصور للواقع الذي يعيش فيه، ولم يعد ذلك الأديب الذي يهتم بالطبقة العليا.. إن أديب اليوم لصيق بمجتمعه، مرتبط بمحيطه، يلاحظ مظاهر الحياة المتغيرة، يسجلها ويدونها، يجالس عامة الناس في كتاباته، يطلع على أحوالهم ومشاكلهم وأزماتهم.. فلقد ظهرت قضايا إنسانية جديدة لم تكن من ذي قبل، فلماذا لا تستمر الرواية التقليدية في أداء دورها بطريقة جديدة، وبلغة العصر؟ فقلم الأديب عدسة لا تختلف عن عدسة المصور.. يختار المشهد، ويدقق في الحدث، ويقرأ الشخصية من كل الجوانب.. ومن هنا يجب على الأديب أن يتصل بالحياة كما هي، لا كما يجب أن تكون في مخيلته وفكره.. إنه يصور الحقيقة مع العناية بالصيغة واللغة والصورة.. وأنا لست مع الذي ينقل الواقع كما هو، دون أن يدخل عليه لمساته الفكرية والثقافية وتجربته. فالواقع موجود بدونه.. ولكن الأديب له رسالة تجاه المجتمع وناسه، وقد عبر عن ذلك نيتشيه : "رسالة الكاتب هي الكشف للناس عن الحقيقة بلهجة العصر الذي يعيش فيه"
لذلك حاولت التنويع في موضوعات قصصي، وشخوص قصصي هم من الواقع المتخيل.. وبهذا أعيش معهم وأربط معهم علاقة في الشارع، في المقهى، في المنزل .... تارة أعطف عليهم وتارة أقسو عليهم.

س \ الحركة الثقافية العربية الآن ، كيف تقيمها في الوقت الحاضر، هل تسير إلى الأمام، هل هي في تطور؟
إني أعرف إذا لم أسأل، فإذا ما سئلت لم أعرف / سانت أوغسطين/. سؤال له أهمية كبيرة، وهو ينقسم إلى ثلاثة أقسام متداخلة فيما بينها: تقييم الحركة الثقافية في الوقت الحاضر، هل تسير إلى الأمام؟ هل هي تتطور؟ يتبين أن الثقافة العربية في العصر الحالي في أزمة لأسباب عديدة. فقد شهد المواطن العربي تحولات في نمط العيش، فأصبحت علاقته بالمعرفة والتثقيف ضئيلة جدا، نظرا لغياب جودة التعليم والتربية على القراءة، فبات الشباب العربي بعيدا عن الكتاب، ومقصرا في تتبع المعارف في ظل انتشار آليات التواصل الاجتماعي ، الهواتف المحمولة، والأنترنيت، والفايسبوك وغيرها كشكل يسهل التفاعل الثقافي والاجتماعي بين الشباب. لكن مع الأسف نجد هذا التفاعل لا يؤدي إلى إرساء المعرفة السليمة في العقول، فرغم أن هذه الوسائل لها دور مهم في التواصل السريع، إلى أنها أدت إلى تهجين الأفكار، وتشويه الأخلاق والقيم الإنسانية والعادات، والتشكيك في التراث العربي بهدف نسفه، واستبداله بثقافة غريبة عن أبناء الشعب، بدعوى الانفتاح على العالم وحضارة الأمم. فأصبحنا لا نحن من هؤلاء، ولا من أولئك. فتعرت عيوب أخلاقنا، فابتعد أكثر المثقفين، وقل من يقوم بالشأن الثقافي والاجتماعي لبناء الإنسان العربي الجديد، المعتد بثقافته وقيمه الإنسانية السامية.
فهل استطاعت الثقافة العربية أن تتبنى مشروعا حضاريا يرتكز على ثقافة حقيقية مؤثرة في الفرد والمجتمع ؟ ثقافة مبنية محددة ضمن أهداف صغرى وكبرى، يتم إنجازها بالتدرج من أجل صناعة مثقفين جدد يعتزون بقيمهم الفكرية، ويناضلون من أجل إرساء قواعدها للجيل القادم.
فهل استطاع معظم المثقفين العرب أن يتوحدوا، وأن يتحاوروا فيما بينهم لبناء مشروع ثقافي عربي صامد لا يهتز بنسمة ريح من أياد أثيمة..
فرغم التراكم الشعري الذي تراكم في العصر الحالي ، فإنه لا يرقى إلى إبداع إنساني يعمل على إرساء القيم العربية في نفوس المتعلمين من تلاميذ وطلاب المعاهد والجامعات، بدعوى التجديد والانفتاح على ثقافات أخرى ، فجاء شعر الهايكو الياباني يزحف على ثقافتنا العربية، وتراثنا العربي الأصيل، بدعوى التلاقح الثقافي والاستفادة من تجارب الآخرين !؟ وتكاثر القصاصون، وأصبحت الألقاب تتوزع على الروائيين....
أين المسرح العربي؟ أين الأغنية العربية؟ لقد عمت الفوضى في كل مناحي الحياة الثقافية العربية، ضجيج الموسيقى الصاخبة، كلمات الأغاني لا ترقى إلى المستوى المطلوب، ولا تراعي الذوق الراقي، والأخطر من ذلك، قلة القراءة، إن لم نقل منعدمة نهائيا. فأين المثقف العربي من الحالة المتردية للثقافة؟ إنه يكتب لنفسه،لا يساهم في التغيير، فهل نادى بالحرية؟ هل ندد بالقهر والظلم، هل جاهر بالحق. كل ما يفعله هو توثيق ما يقع من أحداث تاريخية، يصوغها في قالب رواية، أو قصة، أو قصيدة شعرية ، يحلم، ويتخيل، يخاطب الأشجار، يحاور السحاب، يقرع طبول الجمل الشعرية الرنانة، يخلق عوالم من المستحيل، لا يتعايش فيها كل الناس.

س - هل لنا من شيء من كتاباتك ؟
خـــــــسارة
تساءلت مع نفسي : ما قيمة صفاتي الإنسانية ..؟ وفي الغــد جلست في شارع عمومي أعرضها للبيع، ما من أحد ساومني .. فجأة ، وقف العسس على رأسي .. أخذوها قسراً ، انصرفت خلسة ، وتركتهم يفحصونها بعناية...
حـيـــــــــــــرة
جلس مع نفسه مدة من الزمن ، واحتار: أمن السماء أم من الأرض يقــــترب، فلم يعرف أيهما أقرب إلى نفسه؟
احـــتــفاظ
داخل زنزانة مظـلمة ، صاح في وجهي كمن مسه قـراص المزابل، وقال : في الصباح الباكر، قبل أن تدب الخلائق البشرية على الأرض، نعـيد لـك يديك ، ونحتفظ بعـينيـك ولسانـك؟

س \ في رأيك ما هو حال حركة النقد في المغرب ؟
لقد تغافل النقاد المغاربة كثيرا عن التحول في الحركة الإبداعية الجديدة، فلم يواكبوا حركة التوسع الأدبي بمختلف أنواعه، فلم يستطيعوا مواكبة التراكم اليومي للإنتاج الإبداعي المتعدد. فما الذي حصل؟
فلا نجد نظريات نقدية مغربية وازنة مؤثرة في الساحة الأدبية العالمية، فلا يزال عدد النقاد في المغرب محدودا جدا، مع قلة الدراسات النقدية التي اهتمت بالقارئ المغربي أو العربي. فكل ما يفعله الناقد المغربي والعربي هو التفسير والشرح والتعليق والتوسيع، وتبسيط ما أتى به الغرب من نظريات أدبية حقيقية، تنم عن التقدم الإبداعي، المبني على التفكير المنهجي، والتحليل العميق لتطور ظاهرة الأدب في حياة الإنسان المعاصر. وعلى ضوء أفكار الغير، فإن النقاد المغاربة كغيرهم من النقاد العرب يبنون نقودهم ــــــ ومهما ابتعدوا وحاولوا الابتكار وخلق رؤى جديدة في عالم الثقافة العربية ـــــ فإنهم لم يستطيعوا أن يتخلصوا من النظريات النقدية الأدبية الغربية. فالنقاد الغربيون يحضرون بقوة في الثقافة العربية كنموذج مهيمن على الساحة الأدبية العالمية.
ونجمل القول فيما قاله إسماعيل العثماني في مقال" النقد المغربي كلمة حول كلمتين " أما النقد المغربي فإنه نقد وصفي؛ يكون بمثابة تقديم للنص الإبداعي المنقود لا غير. كما يتميز هذا الصنف من النقد إيديولوجيا وأخلاقيا، بميل الناقد إلى الثناء على المبدع من خلال مدح عمله..(...) أما المنخرطون تحت لواء النقد الأكاديمي، فمن مميزاتهم الجوهرية النزوع إلى فرض الوصاية واحتكار الدرس، والسعي إلى جلب اتباع، وتأسيس مدارس تحمل اسمهم، ليضمنوا تغييب الآخر حالا، وتكريم المؤسسة لهم فيما بعد.

س \ أخيرا لك حرية الكلام، قول ما شئت ولمن شئت؟
شكرا لك أخي المبدع المتألق الأديب المصري صابر حجازي على اهتمامك النبيل، شكرا على إتاحة الفرصة لي في هذا اللقاء الممتع حقا، حفظكم الله ، وأنار الله طريقك الأدبي بنور تمشي به.
.. ————
الكاتب والشاعر والقاص المصري د.صابر حجازي
http://ar-ar.facebook.com/SaberHegazi
– ينشر إنتاجه منذ عام 1983 في العديد من الجرائد والمجلاّت والمواقع العربيّة
- اذيعت قصائدة ولقاءتة في شبكة الاذاعة المصرية
- نشرت اعماله في معظم الدوريات الادبية في العالم العربي
– ترجمت بعض قصائده الي الانجليزية والفرنسية
– حصل علي العديد من الجوائز والاوسمه في الشعر والكتابة الادبية
–عمل العديد من اللقاءات وألاحاديث الصحفية ونشرت في الصحف والمواقع والمنتديات المتخصصة
image
image
image
بواسطة : محمد سامر
 0  0  192
التعليقات ( 0 )

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 03:53 صباحًا الإثنين 25 يناير 2021.